الغيرة لدى الأطفال

الغيرة لدى الأطفال: شعور طبيعي قد يتحول إلى خطر نفسي إذا أُهمل

تُعد الغيرة من أكثر العوامل المشتركة في المشكلات النفسية لدى الأطفال، لا سيما عندما تأخذ طابعًا مرضيًا يترك آثارًا مدمّرة على شخصية الطفل ونموه النفسي والاجتماعي. ورغم أن الغيرة شعور إنساني طبيعي، شأنها شأن الحب والخوف، فإن خطورتها تكمن في إهمالها أو السماح لها بالنمو دون وعي أو توجيه سليم.

ويجمع المتخصصون على أن قدرًا بسيطًا من الغيرة قد يكون مفيدًا، إذ يشكّل دافعًا للتفوق وبذل الجهد، إلا أن الإفراط فيها يفسد الحياة النفسية للطفل، ويؤدي إلى سلوكيات سلبية مثل العدوانية، والأنانية، والارتباك، والانطواء. ولا يكاد يخلو سلوك طفل من مظاهر غيرة متقطعة، وهو أمر لا يدعو للقلق إذا أُحسن فهمه والتعامل معه بطريقة تربوية صحيحة.

لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الغيرة إلى نمط سلوكي دائم، يظهر بشكل متكرر داخل الأسرة أو المدرسة، ويتخذ صورًا متعددة. ففي هذه الحالة تصبح الغيرة سببًا مباشرًا في ضعف ثقة الطفل بنفسه، أو ميله للغضب والتخريب والعدوان.

متى تظهر الغيرة؟ ولماذا؟

يظهر شعور الغيرة لدى الطفل في مواقف عديدة، أبرزها قدوم مولود جديد للأسرة، أو الإخفاق في تحقيق رغبة ما يقابلها نجاح طفل آخر، أو الشعور بالنقص الناتج عن الفشل. وتكمن خطورة الغيرة في كونها انفعالًا مركبًا يجمع بين حب التملك والغضب، وقد يتجه الغضب أحيانًا نحو الذات أو نحو الإخوة والأقران.

وتتخذ الغيرة أشكالًا سلوكية متنوعة، مثل العناد، والعصيان، والمضايقة، والتخريب، أو على العكس قد تظهر في صورة كبت انفعالي يتمثل في اللامبالاة، والخجل، وفرط الحساسية، والشعور بالعجز، وفقدان الشهية أو الرغبة في الكلام.

الغيرة والحسد: فرق جوهري

كثيرًا ما يُخلط بين الغيرة والحسد، رغم الفارق الجوهري بينهما. فالحسد يرتبط بتمني امتلاك ما لدى الآخرين، كأن يحسد طفل صديقه على دراجته. أما الغيرة فهي أعمق من ذلك، إذ ترتبط بالشعور بالقلق من فقدان الحب أو الاهتمام، أو الإحساس بالحرمان العاطفي مقارنة بالآخرين.

فالطفل الذي يغار من صديقه صاحب الدراجة لا يرغب فقط في امتلاكها، بل يشعر بأنها رمز للحب والاهتمام الذي يفتقده. وكذلك الحال لدى المراهقين، إذ قد تعبّر الغيرة عن نقص في القبول الذاتي والشعور بالأمان.

غيرة الطفولة: طبيعية ولكن…

تُعد الغيرة في الطفولة المبكرة أمرًا طبيعيًا، نظرًا لما يتسم به الأطفال الصغار من أنانية وحب للظهور وإشباع الحاجات دون مراعاة للآخرين. وتبلغ ذروتها عادة بين سن الثالثة والرابعة، وتظهر لدى البنات بنسبة أعلى من البنين.

غير أن استمرار هذا الشعور دون توجيه قد يؤدي إلى صراعات نفسية خطيرة، تظهر في سلوكيات مثل التبول اللاإرادي، ومص الأصابع، وقضم الأظافر، ولفت الانتباه المفرط، والتظاهر بالمرض، إضافة إلى القلق والخوف أو العدوان الصريح.

كيف نواجه الغيرة ونحد من آثارها؟

يؤكد الخبراء أن الوقاية من الآثار السلبية للغيرة تبدأ بالتعرف على أسبابها الحقيقية ومعالجتها، إلى جانب إشعار الطفل بقيمته ومكانته داخل الأسرة والمدرسة. كما يُنصح بتعويد الطفل على المشاركة الوجدانية، واحترام حقوق الآخرين، والمنافسة الشريفة بروح رياضية.

ومن الضروري أيضًا تنمية ثقة الطفل بنفسه، وتخفيف مشاعر النقص لديه، مع الحرص على المساواة والعدل في المعاملة بين الأبناء دون تمييز أو تفضيل. فالمقارنة الصريحة بين الأطفال من أكثر العوامل التي تؤجج الغيرة وتزرع العداوة بينهم.

وفي حال قدوم مولود جديد، ينبغي تهيئة الطفل الأكبر نفسيًا لهذا الحدث، وتجنب إهماله أو منحه حرمانًا مفاجئًا من الامتيازات السابقة. كما يُفضل تنمية هوايات متنوعة بين الأبناء، بحيث يتميز كل طفل في مجاله الخاص دون الدخول في مقارنات.

وأخيرًا، يشدد المختصون على أهمية الحزم التربوي المتوازن، فلا إفراط في القلق والاهتمام بمشاعر الغيرة، ولا تجاهل تام لها. فالفهم الواعي والتعامل التربوي السليم هما السبيل لحماية الطفل من تحوّل الغيرة إلى عبء نفسي يرافقه في مراحل حياته اللاحقة.

You May Have Missed